محمد كرد علي
89
خطط الشام
الأوقاف منشأ الوقف : من أهم القوانين الاجتماعية التي أثرت في عمران هذه الديار وأخلاق أهلها قانون الوقف ، وهو حبس العقار أو الأرض عن البيع وحصر المغلّ في يد شخص أو أشخاص على مقصد معين . كان الوقف معروفا عند الرومان ومنه الخاص والعام ، وكذلك هو معروف عند الأمم النصرانية لعهدنا ، وكان أهل الجاهلية من العرب لا يعرفونه . قال الشافعي : لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمت وإنما حبس أهل الإسلام . فاستنبط الرسول صلوات اللّه عليه الوقف لمصالح لا توجد في سائر الصدقات ، فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل اللّه مالا كثيرا ثم يفنى فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى ، ويجيء أقوام آخرون من الفقراء فيحرمون ، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبسا للفقراء وأبناء السبيل ، تصرف عليهم منافعه ويبقى أصله على ملك الوقف . وقد وقف رسول اللّه بعض ما ظهر عليه من الأرضين فلم يقسمها وقد قسم بعض ما ظهر عليه ، ووقف ثمانية عشر سهما من خيبر لمن نزل برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الناس والوفود وما نابه من نوائب الناس . وفي صحيح مسلم أن عمر أصاب أرضا بخيبر فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم يستأمره فيها فقال : يا رسول اللّه إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني به ؟ قال : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها . قال : فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب قال : فتصدق عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل اللّه وابن السبيل والضيف ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها